بقلم د. مها العتيبي
يظهر في رواية ” دموع الرمل “[1] للشاعر والكاتب د. شتيوي الغيثي أن الرواية تسير في مسارين سرديين منسجمين يتعالقان ولا يتوازيان وهما السرد التاريخي ، والسرد الواقعي الاجتماعي ، فأحدهما هو الإطار العام للرواية والآخر هو العمق الضمني لها ، وهناك مؤشران لانسجام هذين المسارين في الرواية ، وهما المؤشر الزمني الذي يعزز التاريخ ، والمؤشر المكاني الذي تدل عليه الصحراء بقفرها ووحشتها وعوالمها وتفاصيلها اليومية وما تطابق من أحوال أهلها في ذلك الزمان.
وبالنظر إلى السرد التاريخي في الرواية فهو سرد متمكن ، حيث كان السارد عارفًا بمقتضيات الرواية التاريخية ، استطاع أن يدمج الرواية في الإطار التاريخي العام والأحداث التأريخية الكبرى المعروفة كما أشار في صفحة ( قبل البدء) في الرواية، وإن كانت هي التجربة السردية الأولى للمؤلف ، إلا أنه تمكن أن يغطي تعريفًا للقارئ بهذه الفترة كإطار عام ودال دون إغراق في المزيد من التفاصيل الطويلة.
أما المسار السردي الواقعي الاجتماعي والمتمثل في عمق الرواية ، فهو ما تركز عليه هذه المقالة. وخاصة لدى الشخصية المحورية وهي شخصية ( نوير ) وارتهانها إلى ثنائيات (الموت / والحياة ) و(القيد / والحرية ) ، في هذا المسار السردي الاجتماعي الواقعي والمؤثث بعناية من قبل السارد من خلال وضوح فكرته ، وتكامل مفرداته لتعزيز هذه الثنائيات في سيرة حياتية لبطلة الرواية ، تتغلغل تجربة السرد هذه في قلب الصحراء ، وتعجن الآمها بحرارتها وقسوتها ، وتصور ندرة الثراء الفكري والروحي والاجتماعي والمعرفي بها ، والتي أجاد السارد في رسم بنيتها البيوغرافية والمكانية .
إن هذه الثنائيات تعطي نظرة شاملة لتشكيل الوعي الإنساني ، وما يتعلق به من طرح أسئلة عميقة عن الوجود ،وما يستشف عن ذلك من تأملات السارد عن طبيعة الإنسان وأحلامه ومخاوفه وتفاعله مع الوجود ، وكذلك نظرته العميقة للألم ، وعن طبيعة الإنسان المتألم والقيود التي يفرضها عليه عالمه المحيط به أو التي يفرضها هو على نفسه ، مما يضيّق خيارات حريته أو يلغيها.
بداية تأت ثنائية ( الموت / والحياة ) وكما يقول مصطفى صادق الرافعي “يموت الحيّ شيئا فشيئا، وحين لا يبقى فيه ما يموت، يقال: مات “[2] حيث بسط السارد في روايته هذه الثنائية بتغليب موضوعة ( الموت ) مقابل اندهاشات قليلة كانت لموضوعة (الحياة) يقول في الفصل الأول ” وما الذي يفعله الموت غير استزادة الإنسان للتشبث بالحياة ولو بحكاية” [3]يبرز الموت كعنوان واضح من بدء الرواية إلى منتهاها, والذي بدأ به السارد في مفتتح الرواية وهو مشهد موت ( نوير الجدة ) إلى مشهد موت أمها في ولادتها ، تستمر موضوعة الموت في تصاعدها ذلك الموت الذي اكتشفته نوير مبكرًا في موت أخويها ثم أبيها يقول السارد ” لماذا كان الموت هاجس الحياة الأزلي ؟ يأت الإنسان إلى هذه الحياة لكي يسير ببطء إلى مماته . أي فكرة موحشة هذه الحقيقة التي عرفتها وهي في شبابها”[4] ، ويقول أيضا ” الموت سرً الحياة الأكبر ، ولكنه مع أبيها يضع أسرارًا أخرى ، وكأنه يدخلها في لعبة ألغاز لكي تبحث عن فك أسرارها”[5]ثم ما تمثله موضوعة ( الموت ) بعد ذلك من مفاجأة صادمة في الرواية وهو موت ابنها (ضاري) وما تمثله هذه الصدمة من ألم أستطاع السارد أن يكتبه بواقعية شديدة دون مبالغة وما تلاه من التشبث بقيمة موضوعة ( الحياة ) من قرار(نوير) الزواج مرة أخرى من (أبي سالم ) وولادة ابنتها (وضحى) وما امتدت به ذريتها من بنين وبنات بعد ذلك.
وعلى الرغم من وضوح الموت المادي في الرواية من خلال تسلسل أحداثها ، لكن السارد لم يكتف بهذا الموت المادي، بل صور لنا أن هناك أيضَا موتاً مجازياً للروح والذي مثلته (نوير) في عزلتها وبؤسها وحزنها وتوترها ، فقد تمثلت روح ذلك الموت الذي خطف أقرب أحبابها وتقمصته سلوكًا لا واعيًا في البعد والعزلة والخوف واليأس والزهد في الحياة بما تمثله من زينة ورغبة في الزواج وإنجاب عدد من الأبناء ، هذه العزلة جعلتها تصنع (قيودها) وترضخ (للقيود) التي تفرضها التوقعات عليها.
ومن هنا تأت ثنائية (القيد / والحرية ) في الرواية لتآزر الثنائية الأولى وتسير في مسارها ، يقول نابليون هيل ” ليس هناك أية قيود على عقولنا إلا تلك التي نعترف بوجودها [6] وكما قال السارد في الرواية ” يصنع الأنسان قيوده الصغيرة بنفسه، حتى إذا مر الزمن صارت قيودًا ثقيلة ، ومهما أراد الفكاك منها لم يستطع” [7] .
تمثلت ثنائية (القيد / والحرية ) في الرواية في ثلاثة مستويات ، تتكامل مع بعضها على مستوى السرد:
أولاً : ثنائية (القيد / والحرية ) لدى الشخصية المحورية ( نوير) ف(نوير) رضخت للقيود التي فرضتها عليها التوقعات الاجتماعية من جهة : (قيد اليتم) في طفولتها بعد موت أمها ووجود (الأخوة الذكور) وفارق العمر بينها وبينهم مما جعلها تتعلق بوالدها من مرحلة مبكرة من عمرها ، ولعل ذلك يفسر قلة اهتمامها بأنوثتها وزينتها إلى جانب العوامل الأخرى التي نتجت عن الفقد والحزن. قيد ( كسر رجل الأب ومرضه ) والظروف الاقتصادية التي ترتبت على ذلك والعزلة الاجتماعية التي عاشاها بعد رحيل أفراد القبيلة ، ثم يأت قيد (الوصية) التي رضخت له نوير في الزواج من رفيق والدها رغم كبر سنه تنفيذا لوصية الأب ولتنجب لها ولدًا يسندها في حياتها . في المقابل لم تكن موضوعة ( الحرية ) ظاهرة وواضحة في الرواية بقدر ما كانت ضمنية وهي أن تحقق برها بأبيها ورعايته وحرصها على تنفيذ وصيته ، ثم تأت القيود التي صنعتها لنفسها ، وهذه القيود أشد ألمًا وأقسى من القيود التي فرضتها التوقعات عليها ، فقد صنعت لنفسها قيد ( الشروط ) التي اشترطتها للزواج من (أبي سالم) ، ومنها (قيد الطلاق ) بأن تحصل على الطلاق بولادة أول مولود ذكر ، هذه القيود التي تتيح لها من الناحية النفسية أن تعود إلى حالة العزلة التي صنعتها لنفسها كما تم توضيحها في الثنائية السابقة بالموت المجازي ، ولم تأبه لمال الزوج أو مكانته الاجتماعية ، لكنها في هذه المرة سحبت إلى عزلتها ابنها (ضاري) وما تأثرت به نشأته من بعده عن والده ، وعدم الانسجام مع أقرانه وعدم ممارسته للأدوار المتوقعة منه كشاب ناشئ في القبيلة ،أما موضوعة (الحرية) لدى نوير فلم تكن تسعى إلى التخلص من قيودها ، حتى قرارها بالزواج من جديد من أبي سالم للمرة الثانية وكان باختيارها في هذه المرة ، فكان استجابة لقيد (الفقد) وما صاحبه من ضغوط نفسية أليمة .
ثانيًا : ثنائية (القيد / والحرية ) على مستوى شخصيتي ( والدها و/ ابنها ) المتماثلان اسمًا ، والمتقاربان مصيراً والباحثان عن طوق نجاة ( يمثل الحرية المنشودة ) لدى كل منهما فالأول يبحث عن تحسن وضعه الاقتصادي وتمكنه من الحصول على الإبل مرة أخرى لتعويض ما فقد ، والآخر بأن يحصل على العلم بما يشعره بقيمته بعد سنين عاشها على هامش الوعي ، لكنهما رضخا معًا إلى ذات المصير في عدم تراجعهما عن الدخول في حرب ليست لهما ومن ثم عدم القدرة على العودة الى نقطة أكثر أمانُا من أجل ما رضخا له من (قيد التوقع) وهو وماذا يقول الناس لو هربا ؟ فتأت الرغبة لديهما ( في الموت ) في حرب عبثية بالنسبة لهما هي معادلة موضوعية ( للحرية المطلقة ) التي سيصلان إليها.
ثالثًا : ثنائية (القيد / والحرية ) على مستوى شخصية (عبد ابي سالم) وقصة وقوعه في الرق ، والوعد بحريته / ومن ثم تأت موضوعة الحرية في حصوله على حريته وتصريح السارد باسمه (مرزوق ) في نهاية الرواية وكأنَّ الاسم كان معادلاً موضوعيًا للحرية. ولكن كما ذكر السارد على لسانه في الجملة الختامية للرواية “بعد أيش يا هذا الزمن ، بعد أيش!” [8]
[1] الغيثي ، شتيوي.( 2023) . رواية دموع الرمل دار تشكيل
[2] الرافعي ، مصطفى صادق ، كلمة وكليمة ، ص83
[3] الرواية ص 12
[4] الرواية ص 22
[5] الرواية ص 71
[6] هيل : نابليون .( 2015 ). فكر وازداد ثراء مراجعة وتحديث باتريشيا جي هوران مكتبة جرير ص 34
[7] الرواية ص 81
[8] الرواية ص 144